القاضي عبد الجبار الهمذاني
460
شرح الأصول الخمسة
صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) فأضاف الغفران إلى نفسه ، مع أنه واجب عليه فكيف يصح ما قالوه ؟ ومتى قيل : إن استعمال الغفران في هذا الموضع مجاز ، قلنا : إن ذلك مما لا وجه يقتضيه ، وكيف يقال إنه مجاز في هذا الموضع ، مع أنه يطرد على هذا اطراده في غير هذا الموضع . وأما ما قالوه رابعا : من أن « ما » عام ، فإنه وإن كان كذلك ، إلا أنه لا يجوز أن يعم هاهنا لأنه قال في آخره : لِمَنْ يَشاءُ فيجب أن يكون المراد به ويغفر لبعض مرتكبي ما دون الشرك ، وجرى في ذلك مجرى قول القائل : لا أعطي الزيدين شيئا ، وأعطي العمرين من أشاء ، فكما أنه يريد به التبعيض دون العموم ، فكذلك هاهنا . وأما ما قالوه خامسا ، من أن لفظ دون ، إنما تستعمل في ما قرب من الشيء دون ما بعد عنه ، فلا يصح ، لأنه يجوز استعماله في الموضعين جميعا حقيقة ، ولهذا فإن أحدنا إذا قال : السلطان فمن دونه في بلد كذا لما شملهم من القحط في شدة وبلية لم يجب أن يريد به السلطان ووزيره ، بل يريد به من عداه من الأكابر والأصاغر ، وإذا كان هذا هكذا فقد سقط تعلقهم بالآية من هذه الوجوه ، وثبت أن المراد بها التائب وصاحب الصغيرة على ما ذكرناه . وأحد ما يتعلقون به ، قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وجوابنا أنه لا تعلق لكم بظاهر الآية ، لأن ظاهرها يقتضي أن يغفر اللّه تعالى الذنوب كلها سواء كان ذنبا للكفرة أو الفسقة . ومتى قالوا : إن الكافر مستثنى منه بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قلنا : فكذلك الفاسق المرتكب الكبيرة المصرّ على ذلك مستثنى منه بقوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية . وعلى ما قالوه إغراء للمكلف بالقبيح ، وذلك لا يحسن من اللّه تعالى ، فيجب أن يكون المراد به أنه يغفر الذنوب جميعا بالتوبة . وعلى هذا قال عقيبه : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأكده بقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ، فلو لا أن المراد به ، ما ذكرناه ، وإلا كان لا يكون لقوله جل وعز : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ معنى ، ومتى قالوا : إن المراد بقوله : وَأَنِيبُوا الإنابة إلى الإسلام لا الإنابة التي هي التوبة ، بدليل الآيات التي ذكرها اللّه تعالى بعده ، نحو قوله : وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ إلى قوله : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً